خمسة سيناريوهات محتملة تنتظر العالم في أفق 2040


كشفت أزمة وباء كوفيد – 19 عن هشاشة النظام العالمي، إذ تعد هذه الأزمة الأكثر تأثيراً منذ الحرب العالمية الثانية على مجالات الصحة والاقتصاد والسياسة، ومن المرجح أن تستمر تداعياتها لسنوات قادمة، بل من المتوقع أن يواجه العالم خلال العقود المقبلة تحديات أكثر حدة من تغير المناخ إلى الاضطراب الناجم عن التحولات التكنولوجية السريعة والأزمات المالية وغيرها. وستختبر هذه التحديات باستمرار المرونة، والقدرة على تكيف المجتمعات والدول والنظام الدولي، متجاوزة، في كثير من الأحيان، كفاءة النظم والنماذج القائمة.

في هذا السياق، يطرح مجلس المخابرات الوطني الأمريكي (NIC‏)، والذي تأسس عام 1979، تقريراً استراتيجياً كل أربع سنوات تحت عنوان “الاتجاهات العالمية”، وارتكز التقرير السابع للمجلس على ثلاثة محاور، الأول، القوى الهيكلية الأساسية المشكِّلة للعالم وهي التركيبة السكانية (الديموغرافيا)، والبيئة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والثاني، تفاعل هذه القوى الهيكلية مع عوامل أخرى للتأثير في الديناميكيات الناشئة على مستوى الأفراد والمجتمع والدول والنظام الدولي، ثالثاً وأخيراً، يضع التقرير خمسة سيناريوهات مستقبلية محتملة للعالم في عام 2040.

القوى الهيكلية:

ستشكل التطورات الجغرافية والبيئية والاقتصادية والتكنولوجية العالم الذي سنعيش فيه خلال العقود القادمة، حيث تضع الأسس وتبني حدود عالمنا المستقبلي، وذلك على النحو الآتي:

1) الديموغرافيا: ستكون الاتجاهات الأكثر تأكيداً، خلال العشرين عاماً القادمة، هي التحولات الديموغرافية. فمع تباطؤ النمو السكاني العالمي، وشيخوخة العالم بسرعة ستتقدم بعض الاقتصادات المتقدمة والصاعدة لاسيما في أوروبا وشرق آسيا في العمر بشكلٍ أسرع ‏وستواجه انكماشاً سكانياً، مما سيؤثر على النمو الاقتصادي. وعلى العكس ستتمتع بعض البلدان النامية في أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعدد أكبر من السكان ممن هم في سن العمل، مما يشير إلى قدر أكبر من الاستقرار الاجتماعي. ومن شبه المؤكد –وفقاً للتقرير- أن يؤدي تغير الاتجاهات الديموغرافية العالمية إلى تفاقم التفاوتات في الفرص الاقتصادية داخل البلدان وفيما بينها، مع خلق المزيد من الضغوطات، فضلاً عن ‏الصراعات المتعلقة بالهجرة.

2) البيئة: سيؤدي تغير المناخ إلى تفاقم المخاطر التي يتعرض لها العالم بسبب ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف وذوبان الجليد، إلا أن تأثيرات ذلك ستكون غير متساوية على المستوى العالمي، فالتأثير الأكبر سيقع على عاتق بلدان العالم النامي والمناطق الأكثر فقراً، مما سينعكس بدوره على الازدهار الاقتصادي وسيؤدي التدهور البيئي إلى زيادة المخاطر في قطاعات الغذاء والماء والصحة وأمن الطاقة، ومن المرجح أن تقوم الحكومات والمجتمعات والقطاع الخاص بتوسيع تدابير التكيف والمرونة لإدارة تلك التهديدات والمخاطر، وسيكون التحدي الرئيسي هو التخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتحقيق الحياد الكربوني من ‏خلال التقنيات الجديدة.‏

3) الاقتصاد: من المرجح أن تختلف الاتجاهات الاقتصادية خلال العقدين المقبلين أكثر من الاتجاهات الديموغرافية والمناخية، بما في ذلك ارتفاع الديون الوطنية، وتعقد البيئة التجارية العالمية والتوسع العالمي للخدمات الجديدة واضطرابات سوق العمل، وسيتم تكثيف القواعد واللوائح التجارية، كما سيؤدي انخفاض الاستثمارات إلى تأخير إجراءات التخفيف من انبعاثات الكربون، ويمكن للشركات الكبيرة -التي توفر أسواقاً عبر الإنترنت لأعداد كبيرة من المشترين والبائعين- تعزيز عولمة التجارة ومساعدة الشركات الصغيرة على النمو والوصول إلى الأسواق الدولية. ومن المرجح أن تحاول هذه الشركات القوية ممارسة نفوذها في المجالين السياسي والاجتماعي، مما قد يؤدي بالحكومات إلى فرض قيود جديدة.

4) التكنولوجيا: ستوفر التكنولوجيا إمكانية التخفيف من المشكلات مثل تغير المناخ وتطوير لقاحات للأوبئة، وخلق تحديات جديدة، مثل خلق فرص العمل، كما ستظهر مراكز ابتكار جديدة. وعلى مدى العقدين المقبلين، ستؤدي وتيرة التطورات التكنولوجية وآثارها إلى تسريع وتحويل الخبرات والقدرات البشرية مع خلق توترات واضطرابات جديدة لجميع الجهات الفاعلة، فمن الممكن أن تزيد التكنولوجيا من التوترات الاجتماعية بين القادرين ‏على التكيف وغير القادرين على ذلك، وسوف يشتد السباق العالمي على التفوق التكنولوجي وتتسارع التقنيات الجديدة والتطبيقات المنفصلة وتتطلب قدرة أكبر على التكيف.

الديناميكيات الناشئة:

يبحث التقرير في كيفية تفاعل القوى الهيكلية الأربع السابقة مع بعضها البعض وتقاطعها مع عوامل أخرى للتأثير على ديناميكيات ناشئة على ثلاثة مستويات: الفرد والمجتمع، والدولة، والمنظومة الدولية، وهو ما يمكن عرضه على النحو الآتي:

1) الفرد والمجتمع: سيزداد التشرذم وتنامي التنافسية في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، حيث ستصبح قطاعات كبيرة من سكان العالم مرتابة في المؤسسات والحكومات التي يعتبرونها غير قادرة على تلبية احتياجاتهم نتيجة للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية السريعة وسيلجؤون إلى المجموعات التي تشاركهم الأفكار ذاتها والهوية العرقية والدينية والثقافية، وسيؤدي الجمع بين الهويات الجديدة وبيئة المعلومات المنعزلة إلى الكشف عن التصدعات داخل الدول، وتقويض القومية المدنية وزيادة عدم الاستقرار.

2) الدولة: ستواجه الحكومات ضغوطاً متزايدة نتيجة مجموعة من القيود الاقتصادية والتحديات الديموغرافية والبيئية وغيرها، فضلاً عن زيادة تمكين السكان، وستؤدي الفجوة المتزايدة بين المطالب العامة واستجابات الحكومة نتيجة محدودية الموارد إلى زيادة التوترات وعدم الاستقرار السياسي وتآكل للديمقراطية، ويمكن أن يؤدي عدم التوافق هذا أيضاً إلى ظهور مصادر ونماذج جديدة أو متغيرة للحكم.

3) المنظومة الدولية: على مدى العقدين المقبلين، ستتطور القوة داخل النظام الدولي، بما في ذلك توسيع القوة التكنولوجية والشبكات المعلوماتية، ومن غير المحتمل أن تتمكن أي دولة بمفردها من السيطرة على جميع المناطق أو المجالات، مما يسمح لعدد أكبر من الجهات الفاعلة بالدفاع عن مصالحها، إذ سيكون للولايات المتحدة والصين التأثير الأقوى على الديناميكيات العالمية، ودعم الرؤى المتنافسة للنظام الدولي والحوكمة التي تعكس مصالحهم الأساسية وأيديولوجياتهم، وفي هذه البيئة العالمية الأكثر تنافسية، سوف تتضاعف مخاطر الصراع بين الدول بسبب التقدم التكنولوجي والعدد المتزايد من الأهداف والحدود الجديدة والتنوع الأكبر للجهات الفاعلة، وضعف وسائل الردع والافتقار إلى المعاهدات والقواعد.

سيناريوهات محتملة:

ستحدد استجابات البشر لهذه القوى الهيكلية والديناميكيات الناشئة كيفية تطور العالم خلال العقدين المقبلين، واستند تقرير مجلس المخابرات الوطني الأمريكي في استشرافه للمستقبل على ثلاثة أسئلة رئيسية، وهي: ما مدى خطورة التحديات العالمية الناشئة؟، وكيف تنخرط الدول والجهات الفاعلة غير الدولية في العالم؟ وما هي أولويات الدول للمستقبل؟.

وعبر هذه الأسئلة، يفترض التقرير خمسة سيناريوهات محتملة للعالم في 2040 تصف ثلاثة منها الآفاق المستقبلية التي تزداد فيها التحديات الدولية تدريجياً، ويتم تحديد التفاعلات إلى حدٍ كبير من خلال التنافس بين الولايات المتحدة والصين، بينما هناك سيناريوهان آخران يصفان تغييرات أكثر جذرية تنبع من اضطرابات دولية خطيرة، حيث تضطر واشنطن وبكين إلى مواجهة تحديات عالمية أكبر، حيث تجدان أن الهياكل الحالية لا تتكيف مع هذه التحديات. ويمكن تفصيل السيناريوهات الخمسة على النحو الآتي:

1) السيناريو الأول: نهضة الديموقراطية: يشهد العالم عودة حقيقية للديمقراطيات المفتوحة، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، فالتقدم السريع في التكنولوجيا، والذي تم تمكينه من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة والمجتمعات الديمقراطية الأخرى، قد يعمل على تغيير الاقتصاد العالمي، وزيادة الدخل وتحسين نوعية الحياة لملايين الأشخاص حول العالم. وربما يساعد الجمع بين تقديم الخدمات بشكلٍ أفضل وجهود مكافحة الفساد على استعادة ثقة الجمهور في المؤسسات، وبمرور الوقت، قد يؤدي القمع الشديد، وتوقف النمو الاقتصادي والضغوط الديموغرافية المتزايدة إلى تقويض الأنظمة الاستبدادية القائمة في الصين وروسيا ما يعيق بدوره الابتكار، ويتنبأ هذا السيناريو بنوع من الركود الروسي والصيني.

2) السيناريو الثاني: عالم منجرف: طبقاً لهذا السيناريو، يكون النظام الدولي بلا اتجاه وفوضوي وغير مستقر، إذ يتم تجاهل القواعد والمؤسسات الدولية إلى حدٍ كبير من قبل القوى الكبرى مثل الصين والجهات الفاعلة الإقليمية والجهات الفاعلة غير الحكومية، وتشهد دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تباطؤاً في النمو الاقتصادي، وتستغل الصين الصعوبات التي يواجهها الغرب في بسط نفوذها الدولي، لا سيما في آسيا، لكن بكين ليست لديها الإرادة ولا القوة العسكرية لتولي القيادة العالمية مما سيترك العديد من التحديات، مثل: تغير المناخ، وعدم الاستقرار في البلدان النامية، من دون معالجة إلى حدٍ كبير.

3) السيناريو الثالث: التعايش في بيئة تنافسية: يفترض هذا السيناريو أن يشهد النظام الدولي تمركز التنافسية بين الولايات المتحدة والصين حول النمو الاقتصادي وتعزيز الترابط الاقتصادي، بيد أن هذا الترابط موجود جنباً إلى جنب مع التنافس على النفوذ السياسي ونماذج الحكم والهيمنة التكنولوجية والميزة الاستراتيجية، وينخفض خطر نشوب حرب كبرى وعدم تورط القوى العظمى في نزاع مسلح، حيث يشارك معظمهم في عمليات التأثير والتجسس على الشركات وأنشطة البحث والتطوير والهجمات الإلكترونية التي تسمح لهم بتحقيق الأهداف من دون المخاطرة بحروب مدمرة. ويجعل التعاون الدولي والابتكار التكنولوجي المشاكل العالمية قابلة للإدارة على المدى القصير بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، لكن تحديات المناخ طويلة الأجل تظل قائمة.

4) السيناريو الرابع: صوامع منفصلة: وفقاً لهذا السيناريو، ينقسم العالم إلى عدة تكتلات اقتصادية وأمنية متفاوتة الحجم والقوة، تتمحور حول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وعدد قليل من القوى الإقليمية، وتركز على القضايا التالية: الاكتفاء الذاتي، والمرونة، والدفاع، فالبلدان الكبيرة ذات الموارد الوفيرة، والحدود القابلة للدفاع، مثل الولايات المتحدة وكندا، تصبح أكثر قدرة على التكيف والمرونة من معظم الدول، فيما قد تنهار في الوقت نفسه دول أخرى، وللحفاظ على الاستقرار الداخلي لهذا العالم، تتبنى الدول نماذج سياسية مختلطة تجمع بين عناصر الديمقراطية والاستبداد، وزيادة المراقبة والقمع، وتتدفق المعلومات عبر جيوب سيبرانية منفصلة، ويتم إعادة توجيه سلاسل التوريد، وتعطل التجارة الدولية مع انتشار الأسلحة النووية.

5) السيناريو الخامس: التعبئة: يشهد العالم في هذا السيناريو تحالفاً عالمياً يقوده الاتحاد الأوروبي والصين بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمؤسسات متعددة الأطراف من أجل إيجاد حلول لمعالجة تغير المناخ، ونضوب الموارد، والفقر الناجم عن نقص الغذاء العالمي والتدهور البيئي، حيث تأخذ أوروبا زمام المبادرة في تعزيز التنمية المستدامة، بينما تتبنى الصين تقنيات جديدة في مجال الطاقة، وتعمل البلدان الأكثر ثراءً على مساعدة البلدان الفقيرة في إدارة الأزمة ثم الانتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون، وتتمتع المنظمات متعددة الأطراف والجماعات النشطة بقدرة غير مسبوقة على التأثير على المعايير الجديدة، وتعبئة الموارد، وفي بعض الحالات، تتفوق الأولويات العالمية على المصالح الوطنية.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أنه لا يُقصد بهذه السيناريوهات أن تكون تنبؤات، إنما المقصود منها توسيع نطاق الاحتمالات، من خلال استكشاف المجموعات المختلفة للقوى الهيكلية والديناميات الناشئة، من أجل مساعدة صانعي السياسات على بلورة الرؤية طبقاً لهذه السيناريوهات والاستعداد لمواجهتها.

ووفقاً لتقرير مجلس المخابرات الوطني الأمريكي، ستسعى الصين على مدى العقدين المقبلين إلى تأكيد هيمنتها في آسيا وزيادة نفوذها في جميع أنحاء العالم، وقد يكون للقوى الكبرى الأخرى، بما في ذلك روسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والمملكة المتحدة، وربما الهند، مساحة أكبر لممارسة نفوذها، ومن المرجح أن تستمر روسيا في إرباك النظام العالمي، وتوسيع الانقسامات في الغرب، وتوطيد علاقاتها مع دول أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها، وفي هذه البيئة التنافسية، ستسعى القوى الإقليمية، مثل أستراليا، والبرازيل، وإندونيسيا، وإيران، ونيجيريا، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة إلى الاستفادة من الفرص الجديدة وتولي الأدوار التي كانت تشغلها في السابق قوى عظمى لتعزيز الاستقرار الإقليمي أو اكتساب النفوذ.

(*) مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة


مصدر الخبر هسبريس

About bourbiza mohamed

Check Also

الانقلاب في بوركينافاسو يزيد إضعاف النفوذ الفرنسي بالقارة الإفريقية

تؤكد محاولة الانقلاب في بوركينافاسو بشكل أكبر تقلص النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، لاسيما لمصلحة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.