شقير يضع “مداولة” بين الطبقية والنمطية .. استبعاد الميسورين والسياسيين


قال الباحث المغربي محمد شقير إن “برنامج مداولة حظي، منذ عرضه لما يزيد عن عقدين، بشهرة خاصة نتيجة تتبعه من طرف فئات واسعة من المشاهدين، حيث رُتب من طرف آخر تقرير لِـ’مَاروك متري’ لقياس نسب المشاهدة في المغرب في الرتبة الأولى، متقدما على نشرات الأخبار الرئيسية التي ظلت لشهور تستحوذ على الرتبة الأولى، ونشرة حالة الطقس”.

وبعدما تطرّق شقير، في مقال له بعنوان “برنامج مداولة بين الطبقية والنمطية”، إلى العوامل التي ساهمت في نجاح هذه السلسلة، استدرك بأن ذلك لا يمنع من تسجيل بعض مظاهر النمطية والطبقية التي تميز حلقات هذه السلسلة، موضحا أنه طيلة 22 سنة، وبثّ 480 حلقة من هذه السلسلة الدرامية-الوثائقية، فقد بقيت الحلقات تدور في مجال اجتماعي وقضائي محدود يقتصر على قضايا جنحية وجنائية وتجارية ومدنية واجتماعية، وبالأخص قضايا الأحوال الشخصية والأسرة من تعدد الزوجات وقضايا الطلاق وثبوت النسب…”.

وورد ضمن المقال أن “البرنامج لم يسبق له أن تطرق لأي قضية متعلقة بالجرائم المالية والاختلاسات من ميزانيات الدولة أو الجماعات المحلية…، كما يتم استبعاد قضايا تهم الفئات الميسورة أو النخب السياسية المحلية والوطنية”، مضيفا أن “استبعاد قضايا اختلاس أو قتل أو نصب أو نزاع يهم مكونات النخب الإدارية والاقتصادية والسياسية بالمملكة يكرس فكرة لدى المشاهد المغربي بأن الإجرام يقتصر فقط على فئات مجتمعية بعينها من مهمشين وفقراء وأطر صغرى ومتوسطة…، مما يسقط حلقات السلسلة في نمطية طبقية سافرة”.

هذا نص المقال:

حظي برنامج “مداولة”، منذ عرضه لما يزيد عن عقدين، بشهرة خاصة نتيجة تتبعه من طرف فئات واسعة من المشاهدين، حيث رتب من طرف آخر تقرير “لماروك متري لقياس نسب المشاهدة في المغرب” في الرتبة الأولى، متقدما على نشرات الأخبار الرئيسية، التي ظلت لشهور تستحوذ على الرتبة الأولى، ونشرة حالة الطقس.. فقد تصدر هذا البرنامج الاجتماعي قائمة البرامج الأكثر مشاهدة على القناة “الأولى”، حيث شوهدت إحدى حلقاته على سبيل المثال حسب تقرير “ماروك متري”، من طرف حوالي ثلاثة ملايين مشاهد، متبوعا بنشرة أحوال الطقس، التي شاهدها مليونان و700 ألف مشاهد، فيما شاهد نشرة الأخبار الرئيسية أزيد من مليوني مشاهد”.

ولعل من بين العوامل التي ساهمت في شهرة هذا البرنامج هو كتابة حلقاته سينمائيا من طرف مختصة في مجال القانون والقضاء، حيث سبق للأستاذة رشيدة أحفوض أن زاولت مهنة أستاذة بكلية الحقوق بالمحمدية وبالمعهد العالي للقضاء، وتقلبت في مختلف مناصب السلك القضائي، فكانت رئيسة الفرقة الاجتماعية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء ورئيسة غرفة بالمجلس الأعلى، بالإضافة إلى ترؤس جمعية القضاة، قبل أن تنتقل إلى سلك المحاماة.

وبهذا الخصوص، فقد أشارت الدكتورة رشيدة أحفوض إلى أن تميز هذه السلسلة التلفزيونية يكمن في استلهام حلقاتها من الملفات القضائية التي تدور في ردهات المحاكم المغربية لتعيد صياغتها في قالب سينمائي مليء بالتشويق ومبسط لأهم القضايا التي يتساءل بشأنها المواطن المغربي؛ فهو يعتبر من بين البرامج القليلة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، الذي يسعى إلى نشر الثقافة القانونية بين المواطنين.

وفي هذا الصدد، أبرز عمر الرامي، المدير المركزي للإنتاج والبث بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ضمن فعاليات الرواق المؤسساتي لهذه الشركة بالدورة الأخيرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب التي نظمت بمدينة الرباط في شهر يونيو المنصرم، “أن من المحتويات السمعية البصرية التي تضطلع من خلالها المؤسسة بتجسيد مهمة نشر وإشاعة الثقافة القانونية سلسلة “مداولة”، التي تنتجها وتبثها في قناة الأولى، في إطار البرمجة العامة والمتنوعة لهذه القناة، والهادفة إلى الاستجابة لحاجيات الإخبار والثقافة والتربية والترفيه لأوسع فئات الجمهور في إطار تنفيذ الأهداف العامة للخدمة العمومية للاتصال السمعي المتعلقة بتدعيم قيم الديمقراطية والمواطنة والحرية المسؤولة والكرامة والتضامن والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص والمشاركة والحداثة والسعي إلى تحقيق المناصفة والنهوض بمنظومة حقوق الإنسان ومناهضة كل أشكال التمييز، وفق الدستور والالتزامات الدولية للمغرب.

فهذا البرنامج يعتبر سابقة في تاريخ الدراما، ويعكس نجاحه المستمر ومحافظته على حصته الكبيرة من نسب المشاهدة أثره المباشر في تحقيق غاية النهوض بالوعي القانوني للمواطنين والمساهمة في الوقاية من الجريمة، بمختلف أنواعها ومستوياتها. كما أن انتقاء مجموعة من الممثلين والممثلات المقتدرين للتداول على تجسيد الأدوار ضمن هذه السلسلة ساهم بدوره في الإقبال على تتبع حلقات هذه السلسلة؛ فقد أكد عدد من نجوم السلسلة، ومنهم رشيد الوالي وعبد الكبير الركاكنة وجواد السايح وفاطمة الزهراء أحرار، أن “مداولة”، علاوة على أثره المباشر المتمثل في إنقاذ الكثير من المواطنين من مخالفة القانون، يشكل مشتلا للمخرجين والممثلين بالمغرب.

غير أن مختلف هذه العوامل التي ساهمت في نجاح هذه السلسلة لا تمنع من بعض مظاهر النمطية والطبقية التي تميز حلقات هذه السلسلة؛ فطيلة 22 سنة من عمر هذه السلسلة وبث 480 حلقة من هذه السلسلة الدرامية-الوثائقية، بمعدل 19 حلقة في كل موسم، فقد بقيت حلقات هذه السلسلة تدور في مجال اجتماعي وقضائي محدود يقتصر على قضايا جنحية، وجنائية، وتجارية، ومدنية، واجتماعية، وبالأخص قضايا الأحوال الشخصية والأسرة من تعدد الزوجات وقضايا الطلاق، وثبوت النسب… مما يجعل المرء يتساءل باستغراب عن الدوافع التي تكمن وراء عدم عرض قضايا كبرى سبق أن تابعها الرأي العام وتم الحكم فيها من طرف بعض محاكم المملكة كقضايا تهم الإرهاب، أو التهريب… فهذا البرنامج لم يسبق له أن تطرق لأي قضية متعلقة بالجرائم المالية والاختلاسات من ميزانيات الدولة أو الجماعات المحلية. إن معظم المواضيع تدور حول قضايا الطبقة المسحوقة، كالتشرميل والسرقة، أو فئات متوسطة من خلال قضايا الزواج والطلاق والنفقة؛ في حين يتم استبعاد قضايا تهم الفئات الميسورة أو النخب السياسية المحلية والوطنية.

فعلى الرغم من أن معدة البرنامج الأستاذة رشيدة أحفوض قد صرحت في أحد استجواباتها بأن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لا تضع أي خطوط حمراء حول اختيار مواضيع السلسلة، فإن استبعاد قضايا اختلاس أو قتل أو نصب أو نزاع يهم مكونات النخب الإدارية والاقتصادية والسياسية بالمملكة يكرس فكرة لدى المشاهد المغربي بأن الإجرام يقتصر فقط على فئات مجتمعية بعينها من مهمشين وفقراء وأطر صغرى ومتوسطة؛ مما يسقط حلقات السلسلة في نمطية طبقية سافرة. وتتكرس هذه النمطية من خلال أن جل المحاكمات تدور بالقاعة ذاتها وبالوجوه نفسها من قضاة ووكلاء جلالة الملك؛ في حين يتم عادة اختيار الممثلين أنفسهم للقيام بأدوار الشرطة القضائية. فعلى الرغم من تعويض رشيد الوالي كقاض يترأس الجلسات بالممثلة مجيدة بن كيران أو لطيفة أحرار، فعادة ما يسند دور المحامين إلى الممثلين أنفسهم؛ في حين أن وكيل الملك يسند عادة إلى الممثل ذاته. ولعل هذا ما يفقد حلقات السلسلة زخمها الاجتماعي وتنوعها الإقليمي والجهوي، إذ من المفروض أن تشمل المحاكمات كل أقاليم المملكة، حيث إن الإجرام لا يقتصر على أقاليم دون أخرى، وعلى جهات دون جهات أخرى؛ مما يجعل حلقات السلسلة لا تعكس الوضع الإجرامي والقضائي بالمملكة، إذ من المفروض أن يتابع المشاهد تطورات محاكمات بمحاكم ابتدائية أو استئنافية بشمال المغرب وأطوار محاكمات جنائية بمحاكم بجنوب المملكة أو شرقها حتى يتماهى مع هذه المحاكمات. فعلى الرغم من أن القوانين هي واحدة في عموم تراب المملكة فإن القضاة والمتقاضين والقضايا تتأثر بمتغيرات كل إقليم وكل جهة، سواء في لغة الخطاب أو طريقة التحرك أو طبيعة الحضور وغير ذلك من المظاهر.

بالإضافة إلى ذلك، فالتركيز على اختيار بعض القضايا الكبرى، والتي حوكمت فيها شخصيات من زبدة المجتمع أو من بين أفراد ومكونات بعض نخبها، سيزيد ليس فقط من درجة الوعي القانوني لدى المشاهدين والمشاهدات وإشاعة الوعي بسيادة القانون ببلادنا؛ بل سيكرس بلا شك الشعور لديهم بأن كل المواطنين هم سواسية أمام القانون بغض النظر عن منحدراتهم الاجتماعية والطبقية، وهو ما قد يخلخل القناعة المتجذرة لدى العموم بأن القانون لا يسري إلا على المسحوق والضعيف في حين يفلت منه كبار القوم وعليتهم.


مصدر الخبر هسبريس

About bourbiza mohamed

Check Also

أم تتخلص من رضيعها برميه في حاوية أزبال

هسبريس حوادث صورة: أرشيف هسبريس من الناظورالجمعة 30 شتنبر 2022 – 12:41 عثر مواطنون صباح …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.